|
في ظل انفتاح مجتمع الأعمال المتزايد باتجاه العولمة، باتت الرسالة واضحة ومباشرة للجميع، بدء من شئون الابتكار أو حوكمة الشركات وصولاً للاستثمار في الملكية الخاصة وريادة الأعمال، وهي ضرورة التفكير بطريقة مختلفة، وعدم تجاهل الأسواق الناشئة، والعودة إلى الأساسيات، خاصة في ظل تنامي البنية المعقدة للأنظمة الاقتصادية والاجتماعية.
كانت هذه التوصيات الأبرز خلال مؤتمر قمة القيادة في أوروبا 2010 التي عقدتها كلية إنسياد مؤخراً في فرنسا، وفي إحدى الجلسات الحوارية، قالت كلوديا زيسبيرغر، أستاذ منتسب في علوم صنع القرار، ورئيسة المبادرة العالمية في الملكية الخاصة لدى كلية إنسياد أن البساطة هي الاتجاه الجديد حالياً، وقد أرادت من وراء هذه الطرح الإشارة إلى أن قطاع الملكية الخاصة يشهد عودة إلى اقتصاديات النمو، أي إضافة قيمة حقيقية إلى الشركات، وهو الهدف الأساسي من وراء هذا القطاع الحيوي، مشيرة إلى أن النمو المستقبلي سيأتي من الأسواق الناشئة التي ستقود مسيرة النمو في مختلف المجالات، حتى في ريادة الأعمال، لكن البروفيسور فيليب أندرسون، أستاذ كرسي صندوق خريجي إنسياد في ريادة الأعمال لديه نظرة خاصة، فهو يقارن بين السؤال المطروح سابقاً أمام رواد الأعمال حول ما يجب فعله لجمهور المستهلكين في الصين والهند، وبين ضرورة اعتبار كل من هذه الاقتصاديات الواعدة كمصدر رئيسي لرؤوس الأموال.
تحول فكري
وحتى في مجالات أخرى مثل الابتكار والحوكمة، فإن الأسواق الناشئة باتت تكتسب أهمية أكبر في الاقتصاد العالمي اليوم وفقاً للودو فان دير هيدين، أستاذ كرسي شركة سولفي في الابتكار التقني لدى إنسياد، والذي يلفت إلى أهمية تغيير طريقة التفكير مجتمع الأعمال الغربي، ويقول:" يجب علينا أولاً التخلي عن النظرة إلى تلك الأسواق على أنها ناشئة، إذ أنها وبعد 40 عاماً قد نمت ونشأت بالشكل الكامل"، ويشير إلى أن هذه الاقتصاديات باتت الآن مهيئة بشكل أفضل لإدارة شئونها ذاتياً، وبالتزامن مع انتقال مركز الجاذبية الاقتصادية نحو آسيا، قد يؤدي ذلك إلى خلق فراغ في أوروبا وأمريكا، حتى أن فان دير هيدين يحذر من أن الاقتصاديات المتقدمة قد بدأت بالانحدار تدريجياً.
من جانبه ينظر أندرسون بإيجابية أكثر تجاه مستقبل أوروبا العالمي، إذ أن أوروبا عبارة عن مجموعة أفكار ومبادئ وليست مجرد منطقة جغرافية على حد تعبيره، ويضيف :"لم نكن لنحصل في إنسياد على الثقة التي نتميز بها الآن في الشرق الأوسط لولا الإرث الأوربي الذي لدينا، وإن إدراك الناس هناك أننا ومنذ البداية سنعتمد مقاربة جادة لثقافتهم المحلية وأننا سنستمع لهم ولآرائهم هو ما أثار إعجابهم بإنسياد".
مستقبل الشجع
لكن وماذا عن الشجع الذي كان أحد أبرز أسباب الأزمة العالمية الأخيرة؟ هنا تربط زيسبيرغر الشجع مع الرافعة المالية أي الاقتراض لرفع حجم العوائد أو ما يسمى "leverage"، وهي ظاهرة ما تزال موجودة حتى الآن، فعلى سبيل المثال، ما تزال سندات الخردة ذات المردود العالي تشكل سوقاً جاذبة للمستثمرين مرة أخرى، وتضيف :"خلاصة القول أن الشجع ما يزال موجودا، لكن من غير المحتمل أن نشهد صفقات كبيرة مثلما كان يحصل سابقاً".
من جانبه يقر فان دير هيدين بوجود الشجع في عالم المال والأعمال، لكن بصورة مختلفة في بيئة الاقتصاد الاجتماعي اليوم، ويستخدم وصف "الشجع الواعي"، أي الشجع بهدف إحداث تأثير اجتماعي بما من شأنه أن يشكل دافعاً حقيقياً في عالم الأعمال على أن يتزامن ذلك مع تطبيق مبادئ الحكومة التي تحتل الأولية دائماً ويضيف :"من شأن الحوكمة أن تعيد صياغة الجشع، الجشع الذي يطور الأداء ويحدث أثراً إيجابياً كبديل عن الشجع بهدف المصلحة الشخصية".
وبذلك يقدم فان دير هيدين نظرة متفائلة حول الدور الفعال للجشع، لكنه يؤكد أهمية أن يقوم رجال الاعمال في المستقبل بتحديد أخلاقيات العمل التي سيتبناها قبل البدء في أي مشروع.
دعوة للحكومات
وخلال الندوات الحوارية على هامش المؤتمر، أبدى عدد من المشاركين تخوفهم من تزايد حدة التدخل الحكومي، وفيما أقر جزء كبير منهم بأهمية دور الدولة في أوقات الأزمات الاقتصادية، إلا أنهم دعوا إلى أن يكون الدور محدوداً، وهنا تقول زيسبيرغر أن الهاجس الأكبر يكمن في أن يصبح مجتمع الأعمال والشركات بمثابة كبش فداء للحكومات عندما تسوء الأمور.
وعلى هامش اللقاء، اجتمع فرانك براون عميد إنسياد مع عدد من خريجي الكلية إلى جانب نخبة من الطلاب الحاليين فيها في محاولة لاستشراق المستقبل، وطرحت العديد من الأفكار كمواضيع للمناقشة في مؤتمرات إنسياد المستقبلية وفي مقدمتها التفاعل بين الحكومات والقطاع الخاص إلى جانب قطاع تقنية المعلومات وريادة الأعمال، وطالب البعض أن تساهم إنسياد في إعادة تصحيح مسار الرأسمالية وتوجهيها كوسيلة إيجابية لتنمية المجتمعات، وتطرقت جولي ماير، الرئيس التنفيذي لشركة أريادن كابيتال، وخريجة كلية إنسياد، عن الهجوم التي تتعرض إليه الرأسمالية اليوم، مشيرةً إلى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في العمل على تحقيق عوائد أعلى للشركات، بل في الأسلوب المتبع للوصول إلى هذا الهدف، موضحة أن الانتقاد ينصب على التطبيق السيئ للرأسمالية.
الأرباح أم الأخلاق ؟
من جانبه لفت علي شاجفي، أحد الطلاب الحاليين في إنسياد إلى النقاش الذي دار مؤخراً في إحدى الدروس التي حضرها في الكلية، والذي أشار خلاله البروفيسور المحاضر إلى وجود خيارين رئيسيين لتحقيق الأرباح، الأول هو المساهمة في جعل العالم مكاناً أفضل وتحقيق أرباح محدودة من هذه العملية، والثاني هو تدمير حياة الناس، مؤكداً على إمكانية جني الأرباح مع الالتزام بالمعايير الأخلاقية والمسئولية تجاه المجتمع، مشيراً إلى أن الموضوع هو في النهاية خيار شخصي يستطيع المرء أن يتبناه في مسيرته العملية.
أما أدام غولدستين، ريس شركة رويال كاريبيان وخريج إنسياد، فيرى أن لمجتمع الأعمال دور إيجابي لا مفر منه، ويؤكد أن الشركات وخاصة الكبيرة والعامة منها، سيتوجب عليها إحداث أثر اجتماعي إيجابي لكي يسمح لها في زيادة مصالح حملة أسهمها ومالكيها، ويتوقع أن الشركات التي تعنى فقط بمصالحها الخاصة لن تتلقى دعماً من حكومات الدول التي تعمل في أسواقها أو حتى من قاعدة عملائها.
|