|
تركزت دراسة تجربة شركة "هيليز"، والتي أجراها كل مارك هنتر، الأستاذ المساعد في إنسياد ولوك فان واسينهوف، أستاذ التصنيع والمدير الأكاديمي لمركز إنسياد للإبداع الاجتماعي، على محاولة ردم الفجوة التي يشهدها مجال المسئولية الاجتماعية في ظل صعوبة تحديد التكاليف والفوائد الحقيقية لمبادرات المسئولية الاجتماعية لدى الشركات، وحاول القيمون على الدراسة رصد تجربة شركة هيليز، وهي أحدى أكبر المجموعات التجارية في سريلانكا، في مجال المسئولية الاجتماعية.
وفي ظل مساعي كلية إنسياد الهادفة لبناء قاعدة معرفية حول التطبيقات الفعلية في مجال المسئولية الاجتماعية، كان السؤال الأهم وخاصة في ظل الأزمة العالمية الأخيرة، هل يجب على الشركات، أو هل في مقدورها، أن تساهم في ازدهار المجتمع بالتزامن مع تنمية أعمالها، أي هل للمسئولية الاجتماعية تأثير على نجاح الأعمال أم أنها ترتبط فقط مع خدمة الأطراف ذات المصالح المرتبطة مع الشركة كما يقول عالم الاقتصاد ميلتون فريدمان؟.
دراسة شاملة
تشكل تجربة شركة "هيليز"دليلاً أولياً يمكن أن يستعمله المدراء لإقناع مجالس إدارات والأطراف ذات المصالح المشتركة مع الشركات التي يعملون فيها بأن المسئولية الاجتماعية تساهم في تعزيز موقع الشركة وتساهم في زيادة أرباحها، حيث ما تزال أعداد الشركات التي برهنت مدى فوائد الإستراتيجة المعتمدة على المسئولية الاجتماعية محدودة جداً، وخاصة تلك العاملة في آسيا.
وفرت شركة هيليز للباحثين فرصة زيارة مواقع مشاريعها ولقاء طواقمها الإدارية بالإضافة إلى المسئولين الحكوميين والعمال وممثلي النقابات العمالية، مما سمح لفريق البحث بالتأكد من المعلومات التي قدمتها الشركة ومدى دقة وواقعية تلك المعطيات والتحقق من صحتها من مصادر متعددة، وتم بناء دراسة حالة أو “case study" تحمل الرمز A لتسجيل ثقافة إدارة الشركة والقيم التي تتبناها، إلى جانب أربعة دراسات تحت رمز B تناولت فحصاً معمقاً ومفصلاً لمختلف القطاعات التشغيلية للشركة.
وباعتبار أن شركة "هيليز" عبارة عن شركة قابضة ولها العديد من النشاطات، قام فريق البحث باختيار قطاعات المنتجات المطاطية والأقمشة بالإضافة إلى الخدمات السياحية وزراعة الشاي، وهي قطاعات تنتشر على مساحات جغرافية متنوعة تغطي مختلف المناطق السريلانكية بتنوعها العرقي والاجتماعي، وجال الباحثون على مصانع المنتجات المطاطية والأقمشة إلى جانب مزارع الشاي وشجر المطاط وقاموا بزيارة موقع للسياحة البيئية.
مقاربة خاصة
حدد الباحثان مقاربة المسئولية الاجتماعية الخاصة التي اعتمدتها "هيليز" بالاستناد إلى مجموعة من القيم والأخلاق المرسخة عميقاً في الشركة. لكن تلك القيم لوحدها لم تكن كافية لخلق قيمة تنافسية، وكانت العلاقات مع المساهمين في الشركة هي المفتاح الرئيسي للاستفادة من نتائج تلك السياسة.
فعلى سبيل المثال، يستحوذ تأمين إمدادات المطاط أهمية قصوى، فبدونها سيتوقف العمل في المجال الأهم للشركة، ألا وهو الصناعات المطاطية، لذا فمن صالح الشركة أن يعتبرها مزارعو أشجار المطاط كشريك نزيه على الأمد الطويل.
وفيما يتعلق بقطاع الأقمشة، لا تستطيع الشركة أن تنافس الشركات الأخرى التي تحرق الأسعار عمداً، لكنها تستطيع أن تبيع منتجاتها لشركات عالمية على غرار ماركس آند سبنسر وديكاثلون، وهي شركات تتطلب دائماً التأكد على أرض الواقع من عدم استغلال العمال وسوء معاملتهم.
ومن جانب آخر، لم تكن عمليات "هيليز" السياحية لتنشط في بلد يحاول إيقاف حرب أهلية طويلة لولا مساعدة المجتمعات المحلية على جعل الإقامة في منتجعات "جيتوينغ" التابعة للشركة تجربة ممتعة، وكذلك الحال بالنسبة لمزارع الشاي التابعة للشركة، التي لم تكن لتستطيع دخول الأسواق الغربية بدون علامة تجارية قوية تتمتع بممارسات أخلاقية وعمالية معتمدة عالمياً.
فرضت البرامج التي طبقتها شركة هيليز تكاليف مالية باهظة، مما اضطر الشركة في بعض الحالات إلى طلب المساعدة من أطراف أخرى مثل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ومن جانب آخر، دخلت الشركة في مواجهة مع منافسيها الذين تهددت مصالحهم نتيجة العلاقات الجديدة التي بنتها "هيليز"، فعلى سبيل المثال، يسيطر السماسرة على تجارة المطاط في سريلانكا، ومع أنهم يدفعون أسعاراً اقل للفلاحين من تلك التي تدفعها "هيليز"، إلا أنهم يتحكمون بالفلاحين من خلال تقديم القروض لهم.
لكن سياسة الشركة مكنتها من الحصول على أسعار أفضل لمنتجاتها وخدماتها مقارنة مع المنافسين في بعض الأسواق، ونجحت في الحد من المواجهات مع الاتحادات العمالية في البلاد كما كانت عليه الحال في السابق.
معادلة جديدة
يقر الباحثان بعدم قدرة الدراسة على التنبؤ باستمرارية نجاح سياسة شركة "هيليز" في المستقبل، لكن يمكن القول أن سياسة الشركة قد مكنتها من حماية بعض قطاعاتها التشغيلية وأسواقها الرئيسية في وجه المنافسين.
إذاً فقد بدأت معادلة جديدة بالتبلور، من خلال التعاون بين الشركات والمستهلكين والشبكات الاجتماعية، على جانب مراقبة هذه الأطراف لبعضهم البعض، وهنا تشكل المسئولية الاجتماعية للشركات إحدى الوسائل للدخول في هذه المعادلة، وأكد القائمون على الدراسة على ضرورة التحليل المعمق لعلاقة الجهات ذات المصالح المرتبطة مع الشركة التي بدورها تحاول تحقيق أداء جيد من خلال عمل الخير، وكيفية تحولهم إلى شركاء لتلك الشركة أو حتى تحولهم إلى أعداء لها.
تكمن النتيجة في أن المسئولية الاجتماعية للشركات تعني المزيد من الجهد والعمل بطريقة مختلفة أيضاً، أي عمل الخير، على أن يبقى الأمل في أن يقوم المزيد من قادة الشركات بالتفكير في أفضل المبادرات التي تناسب شركاتهم.
|