تولي العاصمة الإماراتية أبوظبي أهمية خاصة لتطوير الممارسات الإبتكارية في المجتمع المحلي، ويأتي قياس المقدرات الذاتية للابتكار في مقدمة هذه الجهود، وقد أظهر مؤشر قياس الابتكار عدة معطيات هامة يتحدث عنها في هذا اللقاء الدكتور سامي محروم، رئيس مبادرة دعم السياسات الإبتكارية لدى كلية إنسياد لإدارة الأعمال، والذي أشرف على عملية بناء المؤشر.
في إطار المساعي للقيام بدراسة خاصة عن الابتكار في العاصمة الإماراتية أبوظبي، تعاون محروم مع المنظمة العالمية للاقتصاد المعرفي وتطوير الشركات "IKED" وذلك لاستخدام مؤشر قياس الابتكار، الذي تم تطبيقه سابقاً في المملكة
المتحدة، ضمن الدراسة بعد موافقة الجهات الحكومية في أبوظبي، وكان التحدي الأول عدم توفر الكثير من البيانات الضرورية لبناء المؤشر وخاصة مؤشر القدرة الاستيعابية، وجاء الحل في القيام باستطلاع خاص بالابتكار في العاصمة الإماراتية بالتعاون مع مركز أبوظبي للإحصاء، وتم استخدام النسخة العالمية من هذا الاستطلاع والمعتمدة في أوروبا وكندا وغيرها، ويشير محروم إلى أن هذا الاستطلاع هو الأول من نوعه على صعيد الخليج العربي والثاني على مستوى الدول العربية، إذ أجرت تونس نفس الاستبيان من قبل بالتعاون مع فرنسا. وقد جاءت المشاركة في الاستبيان بنسبة 94 %، وهي نسبة يصفها محروم بالتاريخية، ويشير إلى أن مركز أبوظبي للإحصاء قد أرسل مندوبيه لإجراء المقابلات مع الجهات المشاركة، وهي ميزة إضافية حتى بالمقارنة مع أوروبا، التي تجري الاستبيان بالبريد.
تصميم خاص
وبالنظر لمعطيات أبوظبي الخاصة، تم إعادة تصميم مكونات المؤشر، وهنا يقول محروم :"من الأفضل أن تركز أبوظبي على استخدام المعرفة والاستفادة الأمثل من المنتجات المبتكرة من قبل مناطق أخرى في العالم على أن تقوم بابتكار معرفة جديدة، إذ يمكن للعاصمة الإماراتية أن لا تستثمر في الاختراعات الجديدة وان تكون مستهلكاً منتجاً للمعرفة عوضاً ذلك من خلال استخدام الابتكارات الجديدة وتطويرها".
يضم المؤشر 6 دول بالإضافة إلى أبوظبي، وهي استراليا وكندا وفنلندا والسويد والنرويج ونيوزيلندا، ويلفت محروم إلى أن عدم وجود دول خليجية أخرى في المؤشر هو بسبب عدم وجود البيانات المطلوبة لبناء المؤشر لدى تلك الدول التي لم تجر استطلاعات خاصة بالابتكار على غرار أبوظبي وباقي الدول المتضمنة في المؤشر والتي تم اختيارها نظراً لتشابه معطياتها الاقتصادية مع ابوظبي، حيث تعتمد اقتصادياتها على الموارد الطبيعية.
الكوادر المؤهلة
أظهر المؤشر وجود نسبة كبيرة من العمالة الأجنبية غير المؤهلة علمياً في أبوظبي، مما يحد من قدرة نشر المعرفة، وخاصة في قطاع المقاولات، حيث لا تستطيع شريحة العمال تعلم التقنيات الجديدة أو اكتساب معرفة جديدة وهي بذلك لن تساهم في تطور تلك التقنيات المعرفية أو حتى في نقلها إلى البلدان الأصلية لهؤلاء العمال، وهنا يشير محروم إلى إمكانية تطبيق سياسات من شأنها التخفيف من الآثار السلبية لهذا الوضع على المجتمع.
ومن جانب آخر، أكد المؤشر تميز أبوظبي في القدرة على استقطاب الخبرات العلمية والعملية من كفاءات طبية وعلمية وإدارية، وقد يمكن أن يكون ذلك واضحاً للجميع، لكن إثباته بشكل علمي ضروري جداً وفقاً لمحروم، الذي لفت إلى الجهود الحثيثة التي تبذلها دول مثل كندا والنمسا لاستقطاب تلك الفئات.
وقد أظهر المؤشر تراجع ترتيب أبوظبي في مجال الوصول إلى المعرفة مقارنة مع باقي الدول الأخرى المتضمنة في المؤشر، ويشرح محروم سبب ذلك قائلاً :"يرجع ذلك التراجع إلى محدودية انتشار الشركات الوظنية في الأسواق الأجنبية، مما يحد من مقدرتها على الإطلاع على المنتجات المعرفية الجديدة، حيث ينصب تركيز معظمها على السوق المحلية والإقليمية على حساب الانتشار العالمي، بالإضافة إلى محدودية عدد السكان نسبياً في أبوظبي وقلة عدد الطلاب المواطنين المبتعثين للدراسة في الخارج"، ويضيف مؤكداً على ضرورة وجود تمثيل للشركات الوطنية في العالم للتواصل مع مراكز الخبرات في بلدانها، ومن جانب آخر، كشفت الدراسة ضعف التواصل محلياً بين الشركات العاملة في أبوظبي فيما بينها، والتواصل مع الجامعات والمؤسسات التعليمية المحلية أيضاً.
الترتيب العام
احتلت أبوظبي المرتبة السادسة بين سبع دول على مؤشر قياس الابتكار، فيما كانت نيوزيلندا في المرتبة الأخيرة بسبب موقعها الجغرافي بالإضافة إلى معاناتها من هجرة الأدمغة نظراً لمحدودية أسواقها وفرص العمل فيها.
ويلخص د.سامي محروم أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة ويقول :"أظهرت الدراسة أهمية أن تواصل أبوظبي جهودها في استقطاب المؤسسات العالمية وتعزيز تواصل تلك المؤسسات مع المجتمع المحلي بما يساهم في تبادل الخبرات المعرفية وبناء المقدرات البشرية المحلية ودعم قدرة الاقتصاد الوطني على التواصل مع الاقتصاديات العالمية"، ويشير من جانب آخر إلى أهمية توطين المعرفة، على أن لا تعني كلمة "توطين" إعطاء الجنسية الوطنية إلى الأجانب، بل يأتي التوطين من خلال السعي إلى أن تكون الخبرات الأجنبية جزء من النسيج الأساسي للبلاد كأفراد ومؤسسات سواء في الجانب الاقتصادي أو العلمي، ويمكن توفير عدة تسهيلات في هذا الإطار، على غرار السماح بالإقامة الدائمة مثل نظام "غرين كارد" وذلك لتشجيع استقطاب فئة منتقاة من الكوادر البشرية بشكل استراتيجي.
ومن ضمن النتائج الهامة للدراسة ضرورة تعزيز قدرة أبوظبي على الاستفادة من الخبرات المستقطبة لإنتاج قيمة مضافة خارج نطاق قطاع النفط والغاز الذي يشهد تركيزاً كبيراً في الجهود والطاقات الابتكارية والمعرفية، ويقول محروم:"أجابت غالبية شركات النفط والغاز العاملة في الإمارات بنعم على السؤال الذي طرح عليها وهو "هل أدخلتم منتجاً أو خدمة جديدة إلى السوق العالمي؟"، وذلك يظهر التنافسية التي يتمتع بها قطاع النفط والغاز في أبوظبي على صعيد عالمي، علماً أن تلك الشركات أيضاً هي أبرز المستخدمين للمنتجات المبتكرة، إذاً يمكننا القول أن قطاع النفط والغاز في أبوظبي الأكثر إنتاجاً والأكثر طلباً للابتكار المحلي، فيما كان قطاع الإنشاءات الأقل ابتكاراً وفقاً للدراسة التي أظهرت أيضاً أن معظم الابتكارات في أبوظبي هي ابتكارات على الصعيد المحلي، أي أنها لا تحمل أفكاراً جديدة على المستوى العالمي".
بداية الفكرة
بدأ الدكتور سامي محروم العمل مع فريق خاص من الخبراء على تصميم مؤشر خاص لقياس الابتكار في بريطانيا منذ العام 2007 وتم إطلاقه عام 2008 بعد التنسيق مع الحكومة المركزية إلى جانب حكومات الأقاليم والمناطق في المملكة المتحدة، ومن ضمنها الجهات المعنية بتمويل سياسات دعم الابتكار ضمن الميزانية المحددة لكل إقليم، ومن هنا ظهرت الحاجة لوجود مؤشرات واضحة لقياس أثر تلك السياسات وتوفير بيانات دقيقة لعملها، ومن جانب آخر، كانت المؤشرات المتواجدة آنذاك معنية بقياس القدرات الإنتاجية المبتكرة للأقاليم المتطورة اقتصادياً، ولم يكن هناك دراسات لتعزيز القدرات الإبتكارية لدى باقي المناطق ذات الإمكانات الاقتصادية المحدودة في المملكة المتحدة. يقول محروم:"الابتكار المرتبط بالقيمة المضافة لا يعني بالضرورة اختراع تقنيات جديدة، بل يمكن الاستفادة من التقنيات الحديثة المتوافرة لتحقيق قيمة مضافة، على غرار الانترنت والكمبيوتر وغيرها، فمن الممكن تدريب القوى العاملة وباقي شرائح المجتمع من جانب، ومساعدة الشركات للحصول على وسائل حديثة بما من شأنها رفع مستويات الأداء بشكل ملموس، وبالتالي يمكن قياس التطور الحاصل بعد تحديث الصناعة أو أساليب إدارة الإنتاج وغيرها".
لاقت فكرة المؤشر استحساناً لدى المسئولين في الأقاليم المعنية بالدراسة، ولجأ فريق العمل إلى بناء مؤشرات فرعية للوصول إلى المؤشر الرئيسي، وكان أولها مؤشر القدرة الاستيعابية أو "absorptive capacity"، ومؤشر المقدرة التطويرية أو "development capacity".
يعتمد مؤشر القدرة الاستيعابية على 3 عوامل رئيسية، أولها إمكانية الحصول على المعرفة، أي إمكانية الإطلاع على المنتجات المعرفية والتقنيات الحديثة والوصول إليها، والعامل الثاني هو القدرة على تبني المعرفة وتطبقيها كجزء من العمل أو مختلف جوانب الحياة، والعامل الثالث يتجسد في القدرة على نشر المعرفة في الإطار المحيط سواء كان المجتمع المحلي أو الشركات المحلية الأخرى، ويؤكد محروم على ضرورة توفر جميع تلك العوامل في أي بلد أو شركة لكي تتطور معرفياً وابتكارياً، ويلفت إلى أن قياس تلك العوامل بشكل دقيق يساعد الجهات المسئولة على كشف مواطن الضعف ومعالجتها، ففي حال أظهر المؤشر على سبيل المثال تدني قدرة نشر المعرفة، يمكن لصانع القرار توجيه الانفاق نحو إنشاء مراكز تدريب وتعاون في المجتمع المحلي بما يساهم في تأهيل الأفراد على استيعاب التقنيات الحديثة أو الأساليب العملية والعلمية الجديدة. ومن جانب آخر، يعتمد مؤشر القدرة التطويرية على عاملين، وهما تطوير وابتكار معرفة جديدة، أو الاستثمار الفعال للمعرفة الجديدة. ويشير محروم أن المؤشر قد لاقى نجاحاً واسعاً في المملكة المتحدة وتم تبني كنموذج أكاديمي ليتم استخدامه في مناطق أخرى من العالم.
التعريف العلمي
قد ينظر البعض إلى الابتكار كمفهوم مرتبط بالقطاع العلمي والتقني من حيث الاكتشافات والاختراعات الجديدة، لكن د. سامي محروم، يفضل استخدام التعريف الذي تعتمده الحكومة البريطانية وهو أن الابتكار يعني تقديم منتج أو خدمة جديدة بما من شأنه أن يوفر قيمة مضافة، لكنه يشير من جانب آخر إلى تعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD الذي يشمل الابتكارات التنظيمية والإدارية سواء كان ذلك تنظيم إدارة شركة أو مصنع ما أو ابتكار وتعديل نموذج عمل معين على غرار ما قامت به شركة "أمازون" على سبيل المثال، حيث ابتكرت نموذج عمل جديد قائم على بيع الكتب على الانترنت، ومن جانب آخر، يمكن تحقيق الابتكار في هيكلية المؤسسات أو البنية التنظيمية، ويأتي محروم بمثال عن الإبداع في نموذج العمل ضمن القطاع الصناعي ويضيف:"ابتكر اليابانيون نموذج عمل أطلقوا عليه “just in time”، أي التصنيع في الوقت المناسب"، حيث كانت شركات السيارات في السابق تقدّر حجم مبيعاتها للفترات القادمة وتقوم بتصنيع السيارات بالاعتماد على تلك التقديرات مع زيادة نسبية في حجم الإنتاج لتلبية الطلب المحتمل، ونتج عن هذه السياسة تراكم أعداد كبيرة من السيارات لدى الموزعين ونقاط البيع خاصة خلال فترات التباطؤ الاقتصادي، مما شكل عبئاً مالياً ولوجستياً، لكن وفي الجهة المقابل، ابتكر اليابانيون مبدأ التصنيع في الوقت المناسب والذي اعتمد على تزامن الإنتاج مع حجم الطلب، أي يتم تصنيع السيارة عند تلقي طلبات الشراء، وبادر اليابانيون إلى طرح مجموعة محدودة من الطرازات الجديدة في السوق في البداية ومن ثم تصنيع السيارات وفقاً لحجم الطلب مما أدى إلى حل مشكلة وجود فائض في الانتاج، ونظراً لهذه الفارق التنظيمي في إدارة التصنيع، وهو ابتكار جديد في حينها وابتكار في الناحية التنظيمية، فقد اكتسحت شركات السيارات اليابانية الأسواق العالمية وتفوقت مبيعاتها على نظيراتها الأمريكية، لكن الآن بات معظم الشركات تطبق النموذج الياباني في التصنيع، ويشكل هذه الابتكار التنظيمي إجابة واضحة على الرأي السائد بأن الابتكار محصور ضمن الاكتشافات والاختراعات الجديدة في قطاع العلوم والتقنية.
يقول محروم:"الابتكار هو تقديم إضافة جديدة إلى الاقتصاد أو المجتمع بما يخلق قيمة مضافة لم تكن مكتشفة في السابق، ويمكن أن تتجسد تلك الإضافة في سلعة أو خدمة أو سياسة عمل أو إستراتيجية معينة في التسويق والمبيعات وغيرها".