|
يكمن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في الأزمة العالمية الأخيرة في كيفية امتداد انعكاساتها، خاصة وأنها بدأت في القطاع المالي لتصل تداعياتها لاحقاً إلى الاقتصاد العام بعد أن تسببت في حدوث انهيار مالي واقتصادي على الصعيد العالمي.
في نظرة تحليلية إلى ما جرى، يفضل ألبرتو مانكوني من كلية إنسياد النظر إلى بداية الأزمة العالمية على أنها صدمة سيولة حدثت في قطاع معين في الأسواق، وتحديداً الأوراق المالية المدعومة بأصول، ويضيف:"في شهر أغسطس من العام 2008، وبشكل مفاجئ أدرك الجميع حقيقة أن لا أحد يعرف كيفية تسعير هذه الأوراق، ولهذا السبب، كانت قلة فقط من المستثمر على استعداد لتداولها".
وقد تطرق مانكوني في بحث خاصة تحت عنوان "دور الاستثمار المؤسسي في بداية الأزمة العالمية عامي 2007 – 2008" إلى كيفية انتقال الأزمة من قطاع محدد إلى باقي القطاعات المكونة للاقتصاد العام، وقد ساهم في البحث كل من ماسيمو ماسا، أستاذ المحاسبة لدى إنسياد، وأيوكو ياسودا، الاستاذ المساعد في الإدارة من كلية يو سي دايفس للإدارة.
وتستعرض أطروحة الدكتوراه التي أعدها مانكوني دور الاستثمار المؤسسي في الأسواق وتأثيره على سياسة الشركات، حيث تم التعمق في بحث دور المؤسسات الاستثمارية في أسوق السندات العالمية، وخاصة دور شركات التأمين وصناديق الاستثمار، ومساهمتها في بداية اضطراب الأسواق، وتم تسمية هذه الفئة من المستثمرين "الثملين" أو "Intoxicated investors"، أي أولئك الذين يستثمرون في سوق معينة أو قطاع محدد فقط لأن الجميع يستثمر فيها، وهو ما بات يعرف بسلوك القطيع.
القناة الرئيسية
وقد تضمنت المحافظ الاستثمارية لهذه الفئة من المستثمرين على شريحة كبيرة من الأوراق المالية المدعومة بأصول، بما في ذلك التزامات الدين المضمونة "CDO" بالإضافة إلى التزامات القرض
 |
شكل قطاع السندات المؤسسية القناة الرئيسية لانتقال تداعيات
الازمة من الأسواق المالية إلى باقي قطاعات الاقتصاد الحقيقي |
المضونة "CLO" والتزامات الرهن العقاري المضمونة "CMO"، حتى أن نسبة انكشافهم على هذه الأدوات المالية قد فاقت معدلات انكشاف البنوك، ويرى مانكوني أن هذه المعطيات تؤكد أن دراسة الدوافع والأسباب وراء قرار المستثمرين إتباع مثل تلك السياسات الاستثمارية قبيل الأزمة العالمية حين حددوا خياراتهم للشراء، بالإضافة إلى موقفهم خلال الأزمة العالمية تجاه وجوب التخلص من أدوات الدين التي يحتفظون بها وتجاه الطرق الأفضل لبيعها، سوف تسلط الضوء على أسباب وتأثيرات أزمة الائتمان التي يعيشها العالم.
ويبقى السؤال المحوري في كيفية انفلات الأزمة خارج نطاق القطاع المالي ووصل آثارها إلى الاقتصاد الحقيقي؟ وهنا يقترح البحث الذي قام به مانكوني وزملاؤه آلية معينة لانتشار الأزمة، ويقول مانكوني :"لنفترض أولاً أن مستثمراً مؤسسياً كصندوق استثمار مشترك على سبيل المثال قد ضم في قسم من محفظته الاستثمارية منتجات استثمارية مهيكلة على غرار أوراق مالية مدعومة برهونات عقارية، وفي نفس الوقت تضمن القسم الآخر من المحفظة سندات مؤسسية".
تشكل السندات مصدراً هاماً لتمويل الشركات وتمثل ما يقارب نصف الديون المستحقة على الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية، وعادة ما تستعمل الشركات الأموال التي يتم جمعها من خلال إصدار السندات في بناء مصانع جديدة وتوسيع عملياتها وتنفيذ المزيد من الخطط التطويرية والتوسعية، وعندما انتقلت الأزمة داخل القطاع المالي من سوق الأوراق المالية المدعومة برهون عقارية إلى سوق السندات المؤسسية انعكس ذلك سلباً على قدرة الشركات على تمويل عملياتها الأمر الذي أثر على الاقتصاد، أي أن سوق السندات المؤسسية قد شكلت القناة الرئيسية لوصول تداعيات الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقي.
سيناريو الأزمة
وتفترض الدراسة البحثية أن الأزمة قد انتقلت إلى سوق السندات المؤسسية ومن ثم إلى الاقتصاد العام وفقاً للسيناريو التالي:
بعد بداية الأزمة، بدأت المؤسسات والشركات الاستثمارية تواجه مشاكل في السيولة أكثر فأكثر، ومنها على سبيل المثال الصناديق الاستثمارية المضطرة لتسديد مستحقات مساهميها، أي بات يتوجب تسييل أجزاء من محافظها، لكنها لم تستطع بيع أوراقها المالية المدعومة بأصول نظراً لشح السيولة في الأسواق، لذا اتجهت تلك المؤسسات إلى الأصول الأسهل تسييلاً وهي السندات المؤسسية.
وإثر قيام الكثير من الصناديق والمؤسسات المستثمرة في أسواق السندات بتسييل السندات المؤسسية التي تشكل جزء هاماً من محافظها الاستثمارية، شهدت الأسواق زيادة في حجم عروض بيع السندات مما أدى إلى هبوط الأسعار، وقد ساهم ذلك في ارتفاع تكلفة التمويل أمام الشركات الباحثة عن تمويل لعملياتها من خلال إصدار سندات مؤسسية مما أحدث شللاً في قدراتها المالية وبالتالي انتقلت الأزمة إلى باقي قطاعات الاقتصاد الحقيقي.
ويشير مانكوني إلى أن البحث قد ركز على قطاع السندات المؤسسية ولم يتناول قنوات التمويل الأخرى المتاحة أمام الشركات كأسواق الأسهم والقروض المصرفية، والتي قد تقدم شرحاً إضافياً حول كيفية انتشار رقعة الأزمة. وفي حال صحة الفرضية التي يقدمها البحث، فقد يوفر ذلك عدة خيارات لاحتواء أي أزمة مالية في المستقبل.
يقول مانكوني :"أظهرت نتائج البحث أن الاستثمار المؤسسي الذي يستثمر على المدى القصير قد كوّن القناة الرئيسية لانتقال تداعيات الأزمة، فهذا النوع من المؤسسات هو الذي واجه مشاكل سيولة عاجلة، أما المستثمرين على المدى الطويل فكان بإمكانهم الانتظار لحين استقرار الأسواق".
وتشير هذه المعطيات إلى ضرورة اتخاذ سياسات وإجراءات تنظيمية من شأنها التأثير على زيادة مدى الاستثمار المؤسسي بما من شأنه الحد أو حتى منع انتقال الصدمات المالية إلى أسواق السندات المؤسسية.
|