Knowledge
برنامج إنسياد للمعرفة
إنجليزي|صيني

حول برنامج إنسياد للمعرفة

 
يوفر برنامج إنسياد للمعرفة فرصة الإطلاع على أحدث الأبحاث الإدارية والمقالات المتخصصة في عالم إدارة الأعمال
 

إرسال طباعة حفظ
التنين الصيني والفيل الهندي: سباق الأرنب والسلحفاة

•مايكل ويت

عادة ما يستعمل تعبير "التنين الصيني" في الإشارة إلى قوة الصين، وفي المقابل، يشير البعض إلى "الفيل الهندي" للدلالة على المقدرات التي تتمتع بها الهند، لكن وفي إطار الآفاق الاقتصادية المستقبلية، فمن الأفضل تشبيه هذه الحالة بالسباق بين الأرنب والسلحفاة، إذ بينما تحقق الهند نسب نمو اقتصادي بوتيرة بطيئة مقارنة مع نمو الاقتصاد الصيني في الوقت الراهن، توجد أمامها فرصة حقيقية للحاق بالصين خلال العقود المقبلة، بل يمكن لها أن تتصدر السباق.
قد يشكل هذا الطرح مفاجأة للكثير من المتابعين، وقد يعتبر حدوثه على أرض الواقع أمراً بعيد المنال، فتاريخياً وحتى وقتنا الحالي، ما تزال الصين تفوز بالسباق بسهولة، حيث تشير الأرقام المتوفرة من البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للصين عام 2008 كان أضخم بمرتين من الناتج المحلي الإجمالي للهند، مع حساب التباين في القوة الشرائية. وباعتماد المعايير السكانية، نجد أن الهند قد بدأت في ردم الفجوة إلى حد ما، لكن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين والذي يقدر بـ 6000 دولار أمريكي ما يزال يشكل مثلي نصيب الفرد في الهند، وما يثير الإعجاب في هذه المعطيات أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين عام 1978، وهي السنة التي بدأت فيها الإصلاحات الاقتصادية، قد كان يشكل أكثر قليلاً من نصف نصيب الفرد في الهند.
ومن جانب الآخر، فإن معدل الفقر في الصين الذي كان أعلى من معدل الفقر في الهند بما يعادل الثلث عام 1981، يشكل الآن نصف معدل الفقر في الهند، وبالرغم من الإصلاحات الاقتصادية التي شهدتها الهند عام 1991، فإن الفجوة في الناتج الاقتصادي بين البلدين كانت تتسع بازدياد، حيث حقق الاقتصاد الصيني في الفترة بين عامي 2004 و2008 نمواً سنوياً بمعدل 10.8 مقارنة مع نمو الاقتصاد الهندي بمعدل 8.7 سنوياً.
أساسيات اقتصادية
تقف مجموعة من العوامل وراء تقدم الصين على الهند في السباق المحموم بينهما، وهي تتركز في مجملها على الأساسيات الاقتصادية، إذ عادة ما يرجع المحللون النمو الاقتصادي في مراحل المبكرة من التطور إلى تحرك رؤوس الأموال والقوى العاملة تجاه العمليات الإنتاجية. وبالإضافة إلى تحريك رؤوس الأموال، تكمن الصعوبة في بناء قواعد مؤهلة من رأس المال البشري وهو ما تعاني منه الهند، حيث أعاقت قوانين العمل الهندية دفع القوى العاملة باتجاه القطاع الصناعي، بالإضافة إلى النقص حتى في المهارات الأساسية، حيث تبلغ نسبة الأمية في الهند 40 % مقارنة مع نسب أمية أقل من 10 % في الصين التي نجحت في بناء مهارات معرفية وتعليمية على مستوى عالمي لمواطنيها، فيما لم ينجح نظام التعليم الهندي في ذلك حتى الآن. وتأتي هذه المعطيات في ظل تباين الدور الذي تلعبه الحكومة في كل من البلدين، حيث جاءت الهند في المرتبة 183 في تصنيف البنك العالمي لسهولة ممارسة الأعمال فيما احتلت الصين المرتبة 89. وتظهر الوقائع أن نجاح الشركات والمشاريع في الهند عادة ما يتحقق عندما تستطيع تجنب القوانين والتشريعات الحكومية، فعلى سبيل المثال، تكمن إحدى ميزات الهند النسبية في قطاع الخدمات على غرار خدمات التعهيد، وهو نجاح يمكن إرجاعه إلى عاملين رئيسيين، يكمن الجانب الأول في أن الحكومة الهندية لم تحاول قط تنظيم هذا القطاع أو التحكم به، أما العامل الثاني، وعلى عكس القطاعات الإنتاجية والسلع، فيكمن في عدم اعتماد هذه الخدمات على الطرق غير المعبدة ومعاملات الجمارك المعقدة في الهند، إذ طالما توفرت خطوط الهاتف والانترنت، يمكن الاستمرار في العمل.
النظم الاجتماعية
وفي إطار العوامل الاجتماعية والثقافية، يأتي الطرح الجدلي بأن الثقافة الصينية تساعد على النمو والتطور الاقتصادي أكثر من الثقافة الهندية، حيث عرف كل من البلدين تاريخياً نظام الطبقات الاجتماعية في ظل الأسس المعتمدة على منهج كونفوشيوس في الصين والمبادئ الهندوسية في الهند، لكن الاختلاف المحوري بين الثقافتين يكمن في حرية انتقال الأفراد بين الطبقات الاجتماعية، وهو أمر لا يشجعه المجتمع الهندي على الإطلاق، أما في الصين، وعلى النقيض تماماً من الواقع الهندي، تم بناء حرية الانتقال الاجتماعي من خلال نظام التعليم، فمن حيث المبدأ، يستطيع أي فرد بغض النظر عن تدني مرتبته الاجتماعية أن يصل إلى قمة الهرم الاجتماعي في حال نجح في اجتياز الفحص الحكومي ليصبح من طبقة الـ"مندرين" في العاصمة بكين، وهي الطبقة التي تضم موظفي الحكومة المهمين. وفيما يهيمن نظام الطبقات الاجتماعية في الهند بما يفرضه من قيود على تطور المجتمع وخاصة في المناطق الريفية، تبقى النظرة تجاه التعليم على أنه الطريق نحو النجاح راسخة في عقلية المجتمع الصيني.
وباختصار، يبدو أن الصين هي الفائز المحقق في هذا السباق، لكن كان ذلك الحال بالنسبة للأرنب في القصة الشهيرة عن سباق الأرنب والسلحفاة حيث تفوز السلحفاة في النهاية، ومع أن الصين لن تغرق في النوم على الطريق كما فعل الأرنب، لكن يحتمل أن تؤدي مجموعة من العوامل إلى أن تلحق بها الهند بل وحتى أن تسبقها.
ميزة تنافسية
تكمن إحدى هذه العوامل في التغييرات الديموغرافية، ففي ضوء سياسة الطفل الواحد التي تفرضها الصين، تشير التوقعات إلى أن التركيبة السكانية في الصين تسير على طريق التقادم في السن بوتيرة متسارعة، ويمكن لها أن تشيخ قبل أن تبلغ مرحلة الثراء الحقيقي. وخلال عشرين سنة، يمكن أن تصل نسبة كبار السن في سكان الصين إلى مستوياتها الحالية في الدول المتقدمة، مما يطرح تساؤلات حول نظم الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي التي تتولى رعاية كبار السن، بالإضافة إلى أن ذلك الاتجاه سيؤدي إلى تناقص نسبة السكان الشباب، وهي الفئة العمرية الأكثر إنتاجية، أي أن أعداد القوى العاملة ستتناقص بشكل متسارع. وفي المقابل، لا تعاني الهند من نفس التحدي العمري هذا، وتبقى بانتظار مبادرات حكومية لإجراء التعديلات الضرورية بما من شأنه الاستفادة من هذه الميزة التنافسية.
علاقات متباينة
تأتي العوامل الجيوسياسية كأحد أبرز المؤثرات على مجريات السباق، حيث يشير معظم خبراء العلاقات الدولية إلى أن الصين تتجه نحو علاقة أكثر إشكالية وصدامية مع الولايات المتحدة الأمريكية، إذ ينظر بعض المحللين الواقعيين إلى أن التغيير في موازين القوى بين الأمم قد يؤدي إلى نشوء نزاعات فيما بينها، فيما تعارض وجهة النظر الليبرالية هذا الطرح من منظورها لأهمية الصراع الاقتصادي حول التجارة وأسعار صرف العملات بالإضافة إلى شئون سياسية كقضية التيبت والعلاقة مع تايوان وحقوق الإنسان، وفي الجانب الآخر، يتوقع دعاة النظرية المؤسسية أن تقوم المؤسسات الدولية كمنظمة التجارة العالمية وهيئة الأمم المتحدة في كبح جماح مثل هذه الأزمات، لكن وفي نفس الإطار، لا تتمتع أي من الدولتين بتاريخ لافت من الالتزام بمعايير المنظمات الدولية.
وفي ظل هذه المعطيات، يمكن أن تكون الهند أكثر تميزاً وليست في موقع المنتصر، إذ أنها تشكل بالنسبة لأنصار الفكر الواقعي حليفاً مهماً لموازنة القوة المتزايدة للصين على الصعيد الاقتصادي والعسكري، وبالنسبة للاتجاه الليبرالي، تشكل الهند شريكاً مغرياً نتيجة تبنيها للنظام الديمقراطي الغربي على الرغم من الشوائب التي تنغص نظامها السياسي خاصة مع سجلها الضعيف لحقوق الإنسان.
وهكذا، يمكن أن تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعطاء الهند معاملة تفضيلية في وجه النمو الصيني، وهي خطوة تم اعتمادها في السابق خلال الحرب الباردة، حيث دعمت الولايات المتحدة النمو الاقتصادي لحلفائها مثل اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا الغربية من خلال مجموعة من السياسات لتوفير التمويل اللازم وتسهيل الدخول إلى الأسواق العالمية أمام تلك الدول، وقد بدأت ملامح هذه السياسة التوازنية بالظهور إلى السطح، على غرار الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والهند عام 2005.
قد لا تؤدي نتائج هذه السياسة بالضرورة إلى قطع الصين عن الاقتصاد العالمي على غرار ما حدث للاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، لكن على الاقل، يمكن أن تحصل الهند على ميزات نسبية مقارنة مع الصين، والتي قد تمكن السلحفاة، أي الهند، من أن تسبق الأرنب، وهو الصين.
 

• أستاذ مشارك في الأعمال الآسيوية والإدارة المقارنة لدى كلية إنسياد لإدارة الأعمال.

الرجاء التعليق:
بريدكم الإلكتروني:
 
الرجاء إدخال تعليقاتكم مع وضع الاسم ومنطقة تواجدكم :
 
 
تعليقاتكم
 
 

اشترك بالنشرة الدورية
لبرنامج إنسياد للمعرفة

 
البريد الالكتروني

مقابلات مرئية

 
 

أرشيف الفيديو
أرشيف المقابلات المرئية

Official Honouree 2008 Webby Awards