|
•بقلم : ثيو فيروايلين
تشهد الأزمة المالية العالمية الحالية هجوماً مستمراً من قبل السياسيين على نظام الحوافز والمكافآت الخاص بالعاملين في القطاع المصرفي والعالمي. وفي آلية مشابهة، يجب على السياسيين الآن استعمال أزمة الديون السيادية كفرصة لإعادة النظر في أنظمة رواتبهم. حيث لم يكن انهيار النموذج الاجتماعي الأوروبي نتيجة الحوافز المالية المبالغ فيها، بل بسبب عدم كفاية تلك الحوافز.
يحصل السياسيون، مثلهم مثل جميع البيروقراطيين في أجهزة الدولة ومؤسساتها، على رواتب ثابتة، مما يعني أنهم لا يتحملون أي توابع مالية للقرارات التي يتخذونها، ونتيجة لذلك، يجذب عالم السياسة الأشخاص الساعين وراء السلطة والنفوذ والمكانة الاجتماعية، وفي بعض الأحيان، أولئك الذين يتحلون بحس المسئولية والواجب تجاه بلدانهم، ومن جانب آخر، لا يوجد مجالس إدارات يمكنها طرد أعضاء الإدارة العليا نتيجة سوء الأداء، أما الناخبون، فقد ارتبطوا مع السياسيين الذين انتخبوهم حتى موعد الدورات الانتخابية القادمة، بالرغم من أن استطلاعات الرأي تشير إلى عدم رضا الناخبين عن أداء من صوتوا لهم.
إن هذا الضعف في آليات الحوكمة يشجع عدم المسئولية المالية، وليتم إعادة انتخابهم، يجب على السياسيين شراء الأصوات باستخدام أموال مقترضة، وستنتقل تكاليف هذا الاقتراض المفرط إلى الأجيال القادمة، أي إلى أطفالنا، و باعتبار أن الأطفال لا يحق لهم التصويت، فإن هذه العملية ليس ديمقراطية بشكل حقيقي، وهذا يشرح أيضاً أسباب عدم ثقة الأسواق بأن السياسيين سيحترمون معايير معاهدة ماسترخت التي حاولت تخفيض الإنفاق والاقتراض الحكومي. وبالرغم من أن آلية الحوكمة الخاصة بالاتحاد الأوروبي تقوم على محاسبة الدول وليس السياسيين الأفراد، فإن سياسة العقاب الجماعي أثبتت عدم جدواها لتحفيز المسئولية الشخصية.
تكمن إحدى الطرق باتجاه تحسين الحوكمة ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي في اتباع سياسة العصا والجزرة المالية لتشجيع السياسيين على تحمل مسئوليتهم، وأن يكون لقراراتهم ثمن يجب دفعه مما يجعل الوعود الانتخابية التي لا تتمتع بالمسئولية المالية تجاه الميزانية العامة للبلاد أقل مصداقية. فعلى سبيل المثال، صرحت مارتين أوبري، زعيمة الحزب الاشتراكي الفرنسي أنها، وفي حال تم انتخابها، ستوقف جميع الإجراءات المتعارضة مع فكر الحزب على غرار رفع سن التقاعد والتي يقترح تطبيقها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. وفي حال أدرك جمهور الناخبين أن أوبري وأصدقائها الاشتراكيين سيدفعون تكلفة شخصية كبيرة إذ أوفوا بوعودهم، عندها سترتفع احتمالية أن يصدق الناخبون تلك الوعود.
معايير جديدة
لتغيير سلوك السياسيين، يجب أن تكون حوافز الأداء الجيد كبيرة، وقد يطرح ذلك إشكالية سياسية حيث سينظر الناخبون إلى تلك الحوافز على أنها وسيلة للاستيلاء على المزيد من أموال دافعي الضرائب، لذا يجب أن يفرض نظام الحوافز على جميع أعضاء البرلمانات الوطنية طبقاً للقانون الأوروبي، على أن يشترط القانون في مقابل الاستمرار في عضوية الاتحاد النقدي الأوربي، قبول جميع الساسة المنتخبين لأن يتلقوا الدفعات المالية وفقاً لإجراءات متوافقة مع معايير معاهدة ماستريخت، بالإضافة إلى الالتزام بمعايير أخرى أكثر صرامة متوافقة مع المسئولية المالية، فعلي سبيل المثال، يمكن لهذه المعايير أن تنص على أن رواتب الموظفين الحكوميين الذين لا يمكن فصلهم من وظائفهم، كما هو عليه الحال في العديد من الدول، وتم استبدالهم بموظفين جديد بعد تقاعدهم، فإن رواتبهم يجب أن تكون عبارة عن دين دائما للحكومة، ويمكن لهذا الدين أن يصل إلى مستويات مرتفعة، فعلى سبيل المثال، تنفق فرنسا 100 مليار يورو أي ما يساوي 122.7 مليار دولار سنوياً على رواتب الموظفين الحكوميين، وبافتراض نمو هذه الرواتب بمعدل 2 % سنوياً مع خصم معدل فائدة سنوي بمقدار 5 %، يظهر ذلك أن القيمة الحالية لمثل هذه الالتزام تبلغ أكثر من 3 ترليون يورو، وهو مبلغ أكبر بثلاث مرات من حجم الدين الحكومي المعتمد للالتزام بمعايير معاهدة ما ستريخت، وفي حل تم ربط هذا الإجراء بمنظومة تعويض السياسيين، فسيكون لديهم حافز أكبر لتخفيض عدد الموظفين الحكوميين أو خصخصة الخدمات الحكومية.
الطمع مقابل النقود
قد يكون أحد المآخذ على مثل هذا النظام أن الطمع سيكون الدافع الرئيسي للساسة عوضاً عن السعي وراء النفوذ، وبالرغم من أن السعي وراء النفوذ قد لا يكون خياراً أسوء من الطمع، لكن الطمع في حال تطبيق الفكرة المطروحة في هذا المقال سيشجع على تخفيض الإنفاق الحكومي، فيما يدعم السعي وراء النفوذ الإنفاق الحكومي، إذاً، فإن الطمع يصب في مصلحة الاستقرار المالي أكثر من حب السلطة.
أما المأخذ الآخر على هذا الطرح فيكمن في احتمال حدوث تلاعب على المدى القصير، إذ قد يعمل احد الساسة على تخفيض العجز من خلال زيادة الضرائب في عام محدد، لكن الضرر الاقتصادي الناتج عن زيادة الضرائب سيتسبب في زيادة العجز مستقبلاً، وقد يكون أحد الحلول في إيداع الحوافز المستحقة عن سنة محددة في حساب مصرفي على أن يتم صرفها بعد سنوات من مغادرة السياسي صاحب العلاقة لعمله في الحكومة، وقد يكمن الحل أيضاً في دفع حوافز اكبر في حال تم موازنة الميزانية من خلال تخفيض الانفاق الحكومي عوضاً عن رفع الضرائب.
الحد من المخاطر
أما الإشكالية الأخيرة في هذا الطرح فتتجسد في أن الأغنياء لن يهتموا كثيراً في جني المال من خلال عملهم كسياسيين، أما السياسيين أنفسهم فسيكون بمقدورهم جني المال بعد تركهم للعمل الحكومي من خلال تأليف الكتب وإلقاء المحاضرات، وهنا أقترح تبني إجراء إضافي بأن يقوم الساسة المنتخبون بوضع نصف ثروتهم الشخصية مقابل الديون التي تم إصدارها خلال فترة توليهم لمناصبهم.
من جانب آخر، يمكن لمنظومة حوافز السياسيين أن تحد من المخاطر في القطاع البنكي وخاصة تلك المرتبطة بالمؤسسات المصرفية التي تعد "أكبر من أن تفشل"، إذ مع عدم وجود السياسيين في داخل اللعبة، سيتم دائماً إنقاذ تلك البنوك من الانهيار، وكنتيجة لذلك، سيتم إقراض البنوك بنسبة فائدة منخفضة وستتورط البنوك في عمليات اقتراض مفرط والتعرض لمستويات مخاطرة مرتفعة، لكن وفي حال أدرك السياسيون أن ثرواتهم الشخصية معرضة للخطر في حال أقروا إنقاذ مثل تلك المؤسسات المالية، ستكون نسب تنفيذ عمليات الانقاذ تلك ضئيلة، إن تلك المعطيات من شأنها أن تدفع البنوك والجهات المقرضة نحو سياسة مالية أكثر تحفظاً واقل تعرضاً للمخاطر، وحينها لن تكون أي مؤسسة مصرفية "أكبر من أن تفشل".
وفي ظل آلية الحوكمة الجديدة هذه، سيكون السياسي بمثابة القبطان الحقيقي للسفينة التي يقودها، فهو سيغرق حتماً في حال غرقها، عوضاً عن مراقبتها تغرق وهو يقف على بر الأمان، وبالتالي ستكون الوعود القائمة على المسئولية المالية أكثر مصداقية، وستصبح المعارك ضد النقابات العمالية لتخفيض المعاشات التقاعدية والخدمات الاجتماعية معارك للحفاظ على الثروات الشخصية للسياسيين، الذي قد يخسرون الانتخابات القادمة كنتيجة لذلك، لكن الحوافز المالية ستعوضهم عن خسارة النفوذ السياسية والمكانة الاجتماعية
•ثيو فيروايلين، أستاذ المحاسبة لدى كلية إنسياد واستاذ كرسي مؤسسة شرودرز في المحاسبة الدولية وإدارة الأصول.
|