|
أظهرت الأزمة العالمية الراهنة فجوات خطيرة في ممارسات حوكمة الشركات على الصعيد العالمي في مختلف القطاعات الاقتصادية، مما دفع نحو إحداث تغيرات جذرية في هيكليات الحوكمة وخاصة في آلية عمل مجالس الإدارات بحسب لودو فاندرهيدن، أستاذ كرسي شركة مبادلة في الإستراتيجية وحوكمة الشركات لدى كلية إنسياد لإدارة الأعمال.
يرسم لودو فاندرهيدن خارطة الحوكمة في مرحلة ما بعد الأزمة العالمية، والتي تظهر انتقال المسئولية إلى مجالس الإدارة بعد أن كانت ملقاة في السابق على عاتق الرؤساء التنفيذيين فحسب، ويأتي ذلك في ظل الحاجة إلى تحديد الأفراد المسئولين عن أية أخطاء أو خسائر قد تتكبدها الشركة لكي يتحملوا المسئولية وتتم محاسبتهم، ويضيف فاندرهيدن :"في حال إلقاء المزيد من المسئولية على أعضاء مجالس الإدارات، سيؤدي ذلك إلى تغيير آلية عملهم وتصرفاتهم، إذ سيطالبون بمعلومات وبيانات أكثر حول عمل شركاتهم لتحليلها ودراستها قبل المصادقة على القرارات الإستراتيجية نظراً لكونهم تحت طائلة المسئولية، الأمر الذي يساهم في تعزيز الشفافية على مستوى الإدارة العليا".
ومن جانب آخر، ساهمت المتغيرات الأخيرة في عالم المال والأعمال في تزايد دور وأهمية شركات المحاسبة والتدقيق المالي، والتي باتت تلقى تعاوناً وشفافية أكبر من عملائها، حيث أدركت الشركات ضرورة ضبط ميزانياتها وحساباتها وفق المعايير المحاسبية الدولية والأهم من ذلك أن تكون دقيقة وواقعية، وبات المدققون الخارجيون يقدمون تقاريرهم إلى المدير المالي أو مسئول الحوكمة في الشركات وليس إلى الرئيس التنفيذي كما كان الوضع عليه في السابق، ويشير لودو فاندرهيدن إلى تعاظم المسئولية الملقاة على عاتق شركات التدقيق المالي في ظل تزايد أهميتها إثر الأزمة الراهنة.
رصد المخاطر
شهد قطاع إدارة المخاطر اهتماماً متزايداً منذ مطلع التسعينات، لكنه بقي محدوداً ضمن حدود الإدارة العميلة والمالية، وهنا يشير فاندرهيدن الذي يشغل أيضاً منصب المدير الأكاديمي لمبادرة إنسياد لحوكمة الشركات إلى أن الأزمة قد أدت إلى توسيع نطاق ممارسة إدارة المخاطر لتصل إلى مجالس الإدارات التي تعد تهتم فقط بالأرباح، بل باتت تنظر إلى المخاطر المرافقة لعميلة توليد تلك الأرباح لتكوين صورة متكاملة عن حجم المخاطر المحتملة لأي مشروع أو صفقة ومناقشة الطريقة الأفضل لإدارة تلك المخاطر.
يعتبر فاندرهيدن أن إدارة المخاطر تتمحور حول تفادي تدمير القيمة لدي أي شركة، بالإضافة إلى أنها تعنى بتحديد المخاطر التي يمكن تحملها، فهي لم تعد عملية تقييم للمخاطر فحسب، بل باتت تتجه نحو رصد مستويات المخاطر التي يمكن للمساهمين تحملها. وتكمن المفارقة برأيه أن إدارة المخاطر كانت إحدى أكثر المجالات تطوراً في القطاع المالي خلال العشرين عاماً الماضية، وقد شهدت زيادة ملحوظة من حيث القدرات والإمكانيات، لكن الأزمة الأخيرة كشفت أن تلك التطورات لم تنعكس على أرض الواقع فيما يتعلق بتطور أداء إدارة المخاطر على مستوى مجالس الإدارة، أما الآن، لم يعد الهدف تحقيق الأرباح بأي ثمن كان، بل يجب أن تتناسب الأرباح التي يمكن تحقيقها مع المخاطر المحتملة.
ومن جانب آخر، يشير فاندرهيدن إلى دور الرئيس التنفيذي في تعرض الشركة للمخاطر خلال عملياتها ومشاريعها، نظراً لاحتكاره للقرارات وآليات الدخول في المشاريع والصفقات التجارية، وحتى في حال تكبد الخسائر، لم يكن الرئيس التنفيذي يتحمل عبئاً كبيراً من المسئولية، ونظراً لهذا الواقع، بدأت إدارة المخاطر بلعب دور أكبر في الرقابة والإشراف على قرارات الرئيس التنفيذي وأعضاء الإدارة العليا ووضعها في إطار حدود إدارية معينة، وذلك لا يعني الحد من قدراتهم ومسئولياتهم على المستوى التنفيذي بقدر أن لا تترك جميع القرارات لهم. ويلفت المدير الأكاديمي لمبادرة إنسياد لحوكمة الشركات إلى أن إدارة المخاطر لم تعد مجرد قياس علمي للمخاطر، بل بدأت برصد الحوادث التي لا يمكن للشركة تحملها.
تقييم مستمر
في ظل تلك المتغيرات التي طرأت على حوكمة الشركات واتساع تطبيقاتها، يرى البعض أنها قد تعرقل عملية اتخاذ القرار، ويقر فاندرهيدن بأن تلك الإجراءات قد تؤدي إلى تباطؤ حركة العمل، الأمر الذي لا يناسب معظم الشركات في ظل حاجتها إلى المرونة وسرعة التحرك لمواكبة مستجدات الأسواق، ويؤكد أن مقاربة الحوكمة المعتمدة على المعاملات الإدارية فقط ليست الطريقة الأمثل لدفع مسيرة النمو، فهي ليست مجرد إجراءات روتينية فقط بل عملية تقييم مستمر للتحديات الراهنة والمحتملة أمام الشركة، ويضيف قائلاً
:"بات المفهوم المعاصر للحوكمة مركزاً على كونها عملية إشراف ورقابة على عمل الشركات مع تجنب عرقلة أو إبطاء عملياتها الإدارية والتشغيلية، وهنا يكمن الجانب الأهم في تطوير ممارسات الحوكمة"، لكنه يلفت من جانب آخر إلى بعض النواحي الإيجابية لتلك الآثار، حيث قد يساهم إبطاء العمل على مشروع ما نتيجة الإجراءات التي تفرضها الحوكمة عاملاً إيجابياً، حيث قد يؤدي إلغاء ذلك المشروع أو تعديله إلى حماية الشركة من خسائر فادحة، ويأتي ذلك في ظل كون نسب كبيرة من الخسائر التي تكبدتها الشركات العالمية قد جاءت نتيجة دخولها في مشاريع خاسرة. وبدورها، برزت الاستدامة إلى الواجهة، حيث أظهرت الأزمة أن الشركات التي تتبع أسس حوكمة سليمة ستنجح في تحقيق استدامة عملياتها، فالتوجه قد بالتحول من مبدأ "اضرب واهرب" نحو إستراتيجية أعمال مستدامة على المدى الطويل الأمر الذي برز على الواجهة إثر الأزمة العالمية الراهنة.
شفافية عائلية
عادة ما يُنظر إلى الشركات العائلية على أنها لا تتمتع بالشفافية المطلوبة، وهو ما يعتبره فاندرهيدن مفهوماً خاطئاً ويضيف :"قد لا تتمتع الشركات العائلية بالنسبة للأطراف الخارجية أو للسوق بشكل عام، لكنها تتميز بقدر عال من الشفافية أمام مالكيها، ألا وهم أفراد العائلة، أي أنها تبقى شفافة ضمن نطاق داخلي، وعادة ما تفضل عدم الإفصاح، فلا أحد يريد للعالم أن يعرف ما يدور داخل بيته".
ومن جانب آخر، يلفت فاندرهيدن إلى أن قطاع الملكية الخاصة من أكثر المجالات تميزاً بالشفافية، لكنها تبقى عادةً ضمن نطاق داخلي بين المستثمرين ومدراء الصناديق والشركات المستهدفة استثمارياً، ويشير إلى أن الأداء الجيد لقطاع الملكية الخاصة يعزى بشكل كبير إلى تطور آلية اختيار الفرص الاستثمارية وتوافر المعلومات والبيانات عنها إلى جانب الإدارة الجيدة التي توفرها صناديق الملكية الخاصة للشركات المستثمرة فيها.
بشكل عام، لا يرى المدير الأكاديمي لمبادرة إنسياد لحوكمة الشركات وجود معارضة في وجهة سياسة الشفافية والإفصاح في مجتمع المال والأعمال، لكن مصدر قلق البعض يكمن في التخوف من أن تتسبب الشفافية في كشف الأسرار التجارية والمالية للشركة أمام منافسيها، إذا غالباً ما يكون غياب الشفافية مصدره التنافس بين الشركات على كشف ما يجري لدى منافساتها. يثق فاندرهيدن بأن التطبيق الأمثل للحوكمة يمكن أن ساهم في منع نشوب أزمات مماثلة للأزمة العالمية الراهنة، لكنه ذلك قد لا يحدث بالضرورة عند بروز نوع آخر من الأزمات التي قد تنشب في قطاعات وأسواق أخرى.
ممارسات عالمية
وكان المشاركون في اجتماع حوكمة الشركات الذي نظمته كلية إنسياد مؤخراً في مقرها الكائن في أبوظبي قد أجمعوا على أهمية تطبيق أسس حوكمة الشركات المتبعة عالمياً بغض النظر عن خصوصية كل بلد لكن مع الأخذ بعين الاعتبار أولويات دول المنطقة، وفي حال واجهت الحوكمة بعض العراقيل المتجسدة في التقاليد الإدارية والثقافية، أكد المشاركون على ضرورة تغيير تلك الممارسات لفسح المجال أمام التطبيق الأمثل لحوكمة الشركات، لكنهم أكدوا على أن الحوكمة يجب أن لا تأتي من خلال فرضها بشكل كامل عبر القوانين والتشريعات، بل من خلال عملية توعية وتثقيف في أوساط المال والأعمال الإقليمية. وأشاد فاندرهيدن بإدراك المشاركين العميق لحوكمة الشركات وممارساتها على نطاق المؤسسات والشركات المحلية والإقليمية، مع إجماعهم على ضرورة بذل المزيد من الجهود لتعزيز تطبيقاتها على نطاق أوسع مع إتباع الأسس المتبعة عالمياً، فحوكمة الشركات في هذا الجزء من العالم لم تصل مرحلة النضج، لكنها تسير على الدرب الصحيح.
|